Begin typing your search above and press return to search. Press Esc to cancel.

نداء من أجل مغرب آخر


لتأسيس حركة اجتماعية جديدة فاعلة ومستوعبة لمختلف المتغيرات

بقلم منتصرساخي وحمزة الصميلي ـ أعضاء جمعية مغرب آخر

السنوات التي مرت منذ انطلاق مظاهرات 20 فبراير لا تكفي لقراءة طبيعة الحراك الذي لا زال بطريقة أو بأخرى مؤثرا في الواقع الاجتماعي والسياسي المغربي. لكن المتغيرات الكبرى الطارئة على المجتمع والمؤثرة في الحركات الاجتماعية تجعلنا أمام ضرورة رسم صورة واضحة لها، فهمها والدفاع عن منظور جديد للصراع وللحركة الاجتماعية بغاية تدشين مسار نضالي سليم يمثل الفئات المتضررة من التطورات السياسية والاجتماعية التي تعبر المغرب في إطار عالم يعيش هيمنة النيوليبرالية منذ ثمانينات القرن الماضي.

إننا نريد من هذا النداء أن يشكل جزءا من مشروع الحركة النضالية التي ندعوها لمراجعة شاملة لهويتها وصراعها، نتيجة التحولات الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية، بالمغرب. نريد من خلاله كذلك تقديم نقد ذاتي للحركة التي أبدعتها مجموعة من التنظيمات والمناضلات والمناضلين بالمغرب ـ حركة 20 فبرايرـ وذلك بعد مرور أربع سنوات من خروجها للشارع. أربع سنوات لا تكفي لتقديم تحليل شامل للمجتمع وقراءة أهم التحولات الطارئة داخل الجماعات المشكلة له. أربع سنوات لا تعني شيئا في تاريخ شعب ومجتمع !

والأمر لا يخص هنا سنة 2011 وحدها أو الأربع سنوات التي تلتها بقدر ما يخص وضع الحراك والصراع الاجتماعيين في إطار زمني أوسع وشاهد على تطور الحركة الاجتماعية، بنيات المجتمع وطبيعة السلطة داخله، وذلك منذ الاستقلال على الأقل. فنقدنا الذاتي نريده واضحا وصريحا، قريبا من قراءة اجتماعية نقدية للواقع وبعيدا من الترسبات الأيديولوجية التي لم تعد لها أية قدرة على مجابهة واقع متحول يجعل من النقد القديم محركا أساسيا لآليات السيطرة الجديدة. هذا المنطلق المنهجي يجعلنا نقف على التحولات العميقة التي تعرفها السلطة بالمغرب (كما في العديد من المجتمعات) واقتراح بدائل عمل سياسي معارض ومدافع عن الفئات التي تتعرض للسيطرة، الإهانة والاستبداد الفعلي والرمزي.

نرفض من خلال هذا النقد السقوط في تمجيد مسار الحراك عبر رصد أهم أخطائه القاتلة، كما نرفض السقوط في خطاب انهزامي يحكم بالفشل على الفعل النضالي الذي تخوضه تنظيمات وأفراد يمثلون الفئات المهمشة. ما يهمنا هنا هو القيام برصد عقلاني للإيجابيات التي تميز الأشكال النضالية التي تبدعها الحركة كما السلبيات التي تحول دون خلق ذلك التلاحم المطلوب مع الفئات المتضررة من أشكال التسلط/السلطة الجديدة وتمثيلها. وهي السلبيات التي تؤدي إلى تراجع الحراك وخفوته وعدم قدرته على الامتداد لكافة القطاعات والفئات الاجتماعية نتيجة قيام خطاب التغيير لدى الفاعلين/المناضلين على موروث قديم، غير محين ولا يتماشى مع وضع الفئات الواسعة المسلوبة. إنه الوضع الذي يسميه عالم الاجتماع نوربير إلياس “الهابيتوس بتأثير متأخر”[1].

سنعرض لمضامين هذا البيان من خلال ثلاثة محاور :

  • يتناول المحور الأول قراءة للأشكال الجديدة التي يأخذها الفعل السياسي داخل حركة 20 فبراير بالارتكاز على الاختلاف التاريخي القائم بين الصراع من أجل “إعادة التوزيع” والصراع من أجل “الاعتراف وإعادة الاعتبار”. سنتوقف بالتحليل عند أسباب فشل محاولة الجمع بين المطالب المشكلة لنمطي الصراع وتغليب النمط الثاني (الاعتراف وإعادة الاعتبار) على الأول في مطالب الحركة الاجتماعية بالمغرب.
  • في المحور الثاني سنركز على تطور أشكال السلطة، بشكل عام، في المغرب وكذلك إعادة تشكيل اللعب السياسي الذي رافق هذا التحول. سنحاول إظهار كيف شكل غياب الوعي بهذا التحول مصدرا رئيسيا للهوة والتباين الحاصل ما بين المطالب التي ترفعها حركتنا وبين الواقع الاجتماعي بالمغرب.
  • في الأخير، استشرافا للمستقبل وأخذا بعين الاعتبار القراءة النقدية، نحاول تحديد أبرز التوجهات من أجل خلق انعطاف على مستوى مسار الصراع السياسي ليصب في صالح التغيير الاجتماعي الحقيقي بالمغرب.

حركة 20 فبراير: أشكالها ـ المطالب بين الاعتراف وإعادة الاعتبار من جهة وإعادة التوزيع من جهة أخرى

أشكال السياسي

يظل الشكل التنظيمي والسياسي الذي ميز حركة 20 فبراير شكلا جديدا في تاريخ الحركة الاجتماعية بالمغرب. لقد طرحت الحركة، على الأقل خلال الأيام الأولى بعد انطلاقها، أملا في قلب موازين القوى السياسية ومعها التمثلات السائدة حول السياسي بالمغرب. وهنا لا بد من التركيز على كون هذه المحاولة تأتي في سياق إقليمي ودولي عرف طفرة قوية للحركات الاجتماعية الممثلة للشعوب من العالم العربي إلى حركة “أوكيباي وول ستريت” بنيويورك مرورا ب”الساخطين” (Indignados) بمدريد، اليونان، المكسيك وغيرها من دول العالم.

منطلقين من شبكات التنشئة الاجتماعية والتكوين السياسي المركبة تاريخيا (أحزاب ونقابات، جامعات، عائلات سياسية معارضة، حركات شارع حاملة لآثار الإهانة، شبكات وفضاءات التواصل والنقاش، إلخ.) استند المناضلون على ظرفية مسهلة (Conjoncture fluide)[2] تعبر العالم من أجل خلق رجة على مستوى إدراكنا وطريقة تعاملنا مع الفعل السياسي بالمغرب.

حققت هذه الطفرة انتقالا من “السياسة”، باعتبارها “حقلا” مستقلا عن الواقع الاجتماعي وخاضع لسيطرة القصر، الأحزاب السياسية وباقي المستثمرين السياسيين كفاعلين متحكمين، إلى “السياسي” كفضاء أوسع يهم الفعل المرتبط بكل مناحي حياة المواطنين. باعتبارها “حركة شاملة” لا تقتصر على مطالب قطاعية ومجزأة، استطاعت حركت 20 فبرايرفي بداياتها أن تفتح “آفاق الممكن” وإطلاق أسس نقاش حول مشروع مجتمعي جديد يخص كل المواطنين.

واقترحت الحركة، من خلال أشكالها النضالية والتنظيمية تعريفا جديدا للديمقراطية. أمام النظام القائم على إرادة إرساء ديمقراطية تمثيلية حيث يتم تسليم السلطة ل”محترفي” العمل السياسي باعتبارهم يمثلون مصالح فئات محددة داخل المجتمع، أبدعت الحركة منهجية ديمقراطية مباشرة أو تشاركية على الأقل. وهي المنهجية التي تعمل على تركيب وصياغة جماعية للتوجهات، المطالب والفعل الحركي.

رغم تواجد الحركة وخروجها في مختلف المناطق الحضرية والقروية، لم تتم مركزة القرار في إطار تنظيمي محدد ومتواجد بمركز وحيد كالعاصمة الإدارية مثلا. لم ينبثق إطار تنظيمي وحيد يعمل على توجيه سياسي وتنظيمي للفعل داخل المدن والقرى. وداخل الجموع العامة كانت السيادة تؤول للتوافق والنقاش العقلاني بغاية الإقناع، رغم حضور تمثيليات مختلفة لمطامح ومجموعات سياسية متعارضة. فغالبا ما كانت تتحول هذه الجموع لفضاءات شبيهة ب”الآكورا” حيث يميل المشاركات والمشاركون لتفضيل النقاش الحر والديمقراطية المباشرة قبل أخذ المبادرة والقرارات.

جعل التعريف الجديد للسياسية إلى جانب البدائل السياسية المطروحة والممارسة الديمقراطية المباشرة التي أبدعها المعارضون في المغرب سنة 2011 الأحزاب السياسية تتعامل بحذر أحيانا وبالعمل على تهديم وتمييع الحركة أحيانا أخرى. تم التعامل إجمالا مع الحركة الاجتماعية كمصدر تهديد للأجهزة البيروقراطية والهياكل الهرمية داخل التنظيمات رغم كون العدد الأكبر من المشاركين في الحراك قادم من مختلف هذه التنظيمات التقليدية، خاصة المعارضة منها.

عرف المسار الديمقراطي الذي عملت على إرسائه في البداية الحركة، باعتبارها حركة اجتماعية شاملة، تراجعا سريعا خلال مسلسل الاستقطاب. وتم ذلك زمنيا مباشرة بعد دخول فاعلين جدد للساحة بعد خطاب الملك ل9 مارس 2011 الذي أعلن عن انطلاق مسلسل إصلاح سياسي ليبرالي لا يمس عمق الأزمة المجتمعية والنزيف الحاد الذي يحدثه نظام السوق الجديد بالمغرب. أدى الخطاب إلى التحاق حاملي المطالب الجزئية والمصالح المتماشية مع روح الخطاب الملكي الذي حدد طبيعة المطالب والسقف الذي يستوجب على الفاعلين السياسيين الالتزام به. أدى اعتراف الملك ب”مشروعية” المطالب وإطلاق مسار إصلاح دستوري إلى إيقاف مد الحراك بانسحاب حاملي مطالب الإصلاح السياسي غير المرفق بالتغييرات الجذرية على مستوى المجتمع، كما أدى إلى وقف النقاش والتقاربات الهادفة إلى طرح مشاريع مجتمعية بديلة ولا تتوقف عند الإصلاحات الليبرالية المهيئة لانتعاش السوق وانتصارمصالح الفئات السائدة.

ساهم اختراق الحركة، من طرف جمعيات المجتمع المدني الجديد بعد خطاب 9 مارس ومجموعة من النخب الاقتصادية والسياسية الممثلة لمصالح فئات مستفيدة من الانفتاح على السوق ومدافعة عنه، في إجهاض الزمن السياسي الاستثنائي الذي طبع الحراك في بداياته، وأدى إلى وضع أجندة “مشاكل” ومطالب لا تخص الفئات الشعبية المتضررة من التغيرات العميقة التي تمس بنية المجتمع.

“الاعتراف ورد الاعتبار”[3] مقابل “إعادة التوزيع والعدالة الاجتماعية”

إن قراءة تاريخية للحركة الاجتماعية ـ الحزبية والجمعوية ـ التي ساهمت في تأطير المجتمع المغربي وتمثيل فئاته الطامحة للتغيير منذ الاستقلال (فرنسا سنة 1956 وإسبانيا سنة 1976) تبرز تحولات عميقة جعلتها تتحول من حركة يغلب عليها طابع المطالبة بإعادة التوزيع والعدالة الاجتماعية، إلى حركة تدافع عن “الاعتراف ورد الاعتبار”. نعني هنا بإعادة التوزيع ذلك المطلب الاشتراكي والاجتماعي الذي حملته بقوة حركات يسارية (علمية أو اجتماعية ديمقراطية). وهو كذلك المطلب الاقتصادي والاجتماعي الذي دافعت عنه بعض الحركات الإسلامية، سواء المنبثقة من اليسار أو تلك المتأثرة بتجارب من الشرق، خاصة الثورة الإيرانية والحركات الشيعية. إنه المطلب المركز على توزيع متساو أو عادل لمختلف الرساميل الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية والثقافية.

كانت الحركة الاجتماعية بعد الاستقلال متشبعة بنظرة ماركسية حول العلاقات والصراع القائم على الانتماء الطبقي ـ أو ما كان يعتبر أنه “طبقة” ـ. فكانت تربط الصراع السياسي بمطالب تحرير الفئات العاملة والزراعية من الاستيلاب والاستبداد مع نشر أيديولوجية قائمة على المساواة الاجتماعية داخل المجتمع. فكانت ممثلة أساسا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والحزب الشيوعي المغربي بعد الاستقلال. وهي التنظيمات التي كانت تقوم على بنية تتكون أساسا من موظفي الإدارة العمومية، طلبة، معلمين وأساتذة وأصحاب المهن الحرة ذات الرأسمال الثقافي والتعليمي العالي، وكان يغلب عليها الرؤية الطليعية واللينينية الممثلة للعمال وصغار الفلاحين والمهمشين إثر وضع أولى أسس تطور الرأسمال المغربي المستند على الدولة ـ القومية.

بغض النظر عن مدى صلاحية هذا التصور النضالي وتوافقه مع المجتمع المغربي للسنوات الأولى بعد الاستقلال وبغض النظر كذلك عن مدى حقيقة التمثيل السياسي للفئات التي كانت حاضرة في خطاب الحركات الاجتماعية آنذاك، ما يهمنا هنا هو التركيز عن الفرق مع الحركات التي ستنطلق بعد الثمانينات من القرن الماضي في المغرب (وغيره من الدول الليبرالية الأخرى). إنها الحركات التي ستضع في قلب النقاش السياسي والفضاء العمومي قضايا مركزة قبل كل شيء عن “سياسة الاعتراف ورد الاعتبار” لفئات محددة ولأفراد يتم تقديمهم بمعزل عن التطور المجتمعي وبمعزل عن وضعهم الاجتماعي وسط المجتمع الخاضع للتراتبية (hiérarchisation). ستنطلق المطالبة بالاعتراف ب”الهويات الثقافية” و”اللغوية”ـ ما سوف يجيب عنه إيجابيا دستور 2011 ـ والمساواة بين الجنسين، الحق في الاختلاف الديني، المناصفة، الحريات الفردية، الحريات الجنسية، ممارسة الشعائر الدينية غير الرسمية، إلخ.

إن هذا التحول يقوم على طرح ليبرالي يعتقد أن التغيير داخل المجتمع يتم فقط عبر تغيير القوانين وإصلاحها، فينطلق من التركيز على المساواة أمام القانون بدلا من المساواة الحقيقية في توزيع الرساميل داخل المجتمع. وهو التحول الذي يرجع إلى التغييرات التي عرفها العالم بعد سقوط المعسكر الشيوعي وتراجع الأيديولوجيا الماركسية، كما يرتبط في المغرب بشراسة القمع إبان نظام الحسن الثاني وما نشأ عنه من صياغة مطالب سياسية مركزة على ضرورة تأسيس دولة محايدة وتفتيت بنيتها القمعية التي سمحت للنظام بتفكيك المعارضة عبر اللجوء للعنف الممأسس (institutionnalisé).

بعد تقديم هذه النبذة التاريخية، أية مكانة لحركة 20 فبراير وسط هذا التقسيم المطلبي؟

إن تركيبة حركة 20 فبراير باعتبارها “حركة جامعة للحركات” تضم في وسطها التناقضات المؤسَسة عبر تاريخ الصراع في المغرب من خلال مطالب “إعادة التوزيع” ومطالب “الاعتراف”. فالحركة تضم كلا الصنفان من المطالب. يضم الصنف الأول مطالب مادية: الحق في الشغل، الرفع من الأجور ومن الحد الأدنى للأجور، تحسين ظروف الشغل، الحق في السكن اللائق، مناهضة غلاء الأسعار ومناهضة تفويت القطاعات الأساسية للخواص، إلخ. لرفع هذه المطالب، اشتغلت من داخل الحركة النقابات[4]، جمعيات المعطلين حاملي الشواهد العليا وتنسيقيات للمواطنين المتضررين من غلاء الأسعار ومختلف المشاكل الاجتماعية كالسكن والصحة والتعليم. ومن جهة أخرى، عرفت الحركة رفع مطالب ثقافية و”حقوق ـ إنسانية” ممثلة في الجمعيات الحقوقية، الجمعيات المطالبة بدسترة الأمازيغية، الأحزاب السياسية المشكلة للمعارضة التاريخية والجمعيات المطالبة بالحقوق والحريات الفردية.

لكن، رغم هذه التناقضات، وبغاية الخروج من انسداد الأفق السياسي، علقت التنظيمات المشاركة في الحركة اختلافاتها لترتبط ب”الأرضية” التأسيسية لحركة 20 فبراير. قام بصياغة هذه الأخيرة مناضلات ومناضلون ينتمون لمختلف التيارات السياسية المعارضة إضافة إلى شباب “مستقل” عن التنظيمات السياسية. وتجمع الأرضية مطالب مختلفة وذلك بهدف إشراك كافة الأطياف والتعبئة الواسعة في الشارع.

نذكر هنا بعض الأهداف التي اجتمع حولها مناضلات ومناضلوا الحركة :

“حل البرلمان، إصلاح دستوري يمر عبر لجنة دستورية منتخبة، إرساء ملكية برلمانية تحد من الصلاحيات الواسعة للملك، الرفع من الأجور الصغرى والمتوسطة، الحد من خوصصة التعليم، إنشاء صندوق لدعم الشباب وكذلك صندوق وطني للتعويض عن البطالة، الرفع من القيمة المادية للمنح الطلابية وتعميمها، إرساء دعائم قضاء مستقل، إلغاء قانون الإرهاب، تحرير المعتقلين السياسيين، الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية، تأميم الشركات الاستراتيجية الكبرى، الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية والجماعية، إلخ”.

من خلال هذه الأرضية تقدم حركة 20 فبراير نفسها كحركة اجتماعية شاملة تجمع الصنفين معا من النضالات: مطلب إعادة التوزيع ومطالب الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية.

لم يكن الجمع بين الصنفين معا من المطالب ممكنا دون “الظرفية المسهلة” والمندرجة في لحظة تاريخية تطبعها ضبابية قواعد اللعب. وبالتالي فإن اللحظة التاريخية العامة هي المساهم الرئيس في اجتماع وتقاطب حركات قادمة من مشارب مختلفة ومدافعة عن فئات متناقضة الأهداف أحيانا والتي عملت على تحقيق تقاربات أيديولوجية وتقديم تنازلات مقابل الالتقاء في شارع الحركة الاجتماعية الضاغطة من أجل تحقيق تغيير سياسي حقيقي وخلق إمكانية التناظر والصراع حول المشاريع الاجتماعية وفتح باب الممكن.

أمام هذا التقارب، عمد النظام الممثل في الدولة والطبقة السياسية الحاكمة والمدعومة من طرف النخب الاقتصادية المستفيدة من الوضع القائم، إلى تفضيل نهج التفاوض مع مختلف مكونات الحركة في ظرف زمني سريع. أدى هذا المسار التفاوضي إلى قطع إمكانية استمرار قيادات وأطر المكونات الحركية في نفس الفضاء السياسي الجديد وحال دون تحقيق مزيدا من التقارب الأيديولوجي وفتح قنوات النقاش التي يمكنها أن تفضي لتحالفات استراتيجية وتمثيل الفئات الاجتماعية الشعبية وتكوين “طبقة” اجتماعية فعلية[5].

وكمثال عن هذه المفاوضات التي أدت إلى كسر التحالفات المؤسسة لقوة الحركة نذكر الأحداث التالية:

ـ انسحبت المركزيات النقابية ـ أو على الأقل لم تعد تدعوا للتعبئة رسميا وعلى المستوى الوطني ـ بعد الإمضاء على الاتفاق الثلاثي مع الحكومة والاتحاد العام لمقاولات المغرب كممثل لأرباب العمل وكبار المستثمرين، يوم 26 أبريل 2011 للرفع من أجور الموظفين والرفع من قيمة التعويض عن التقاعد.

ـ انسحاب التيارات المعارضة داخل حزب العدالة والتنمية ـ خاصة تيار “باراكا” المدعم من قياديين سيحلون بالحكومة التي تتلو الحراك ـ وذلك بعدما قدمت الدولة وعودها لضمان نزاهة وشفافية الانتخابات التشريعية.

ـ انسحاب جمعيات المعطلين حاملي الشواهد العليا بعدما تم الإعلان عن اتفاق يضمن ولوج عدد كبير من المحتجين والمسجلين في اللوائح لسلك الوظيفة العمومية.

ـ انسحاب الحركات الأمازيغية بعد الإعلان عن دسترة اللغة الأمازيغية.

لم تحظى إذن مختلف هذه الحركات لا بالوقت الكافي ولا بالفضاء العام للنقاش وتصحيح مسارها التمثيلي الفئوي لفتحه على مصالح فئات واسعة من المغاربة. كما لم تتمكن في خضم تسارع وثيرة الحركة من بناء نقد بنيوي لميكانيزمات إنتاج السيطرة والهيمنة داخل المجتمع عموما. وبالتالي فإن غياب نقد ذاتي أثناء الحراك وموجه لوضع الحركة في مسار فعل اجتماعي واسع، ساهم في إضعاف الحركة. ويضاف لهذا الوضع الزمن السياسي في المنطقة التي عرفت اندلاع كل أشكال العنف والحرب بعد ردود فعل الأنظمة المستبدة والتدخلات الأجنبية المباشرة التي حولت مجموعة من الدولة لساحة حرب تتطاحن فيها جماعات قادمة من مختلف مناطق العالم ـ تقدم تحت غطاء ديني وإثني غالبا ـ ومصالح مختلفة وممهدة لولوج السوق .النيوليبرالية المتوح

إعادة تشكيل “السلطة” وظهور مجتمع مدني جديد

بعد تراجع الظرفية العامة المساعدة على الاحتجاج، لم يعد التعايش ممكنا داخل حركة 20 فبراير بين مختلف الأطياف المشكلة لها. فالزمن السياسي لم يعد مساعدا على استمرار الحركة التي قدمت نقدا اجتماعية حقيقيا، كما أن الأطراف المشاركة لم تطور إمكانية الالتقاء وتشكيل جبهة سياسية واجتماعية خارج الظرفية السياسية المسهلة. ولعل المسألة تعود بالأساس إلى التباعد والهوة العميقة بين هذه الأطراف.

بدلا من أن نظل تحت صدمة العزوف وتراجع وثيرة المد الحركي، ينبغي علينا فهم طبيعة الزمن السياسي الجديد الذي ولجه المجتمع المغربي ومميزات المجتمع المدني السائد. هذا المسار سيجعلنا نقدم نقدا جديدا وإرساء أسس التفكير في إعادة تأطير وتأسيس صراعات وحركات اجتماعية منطلقة من الواقع الجديد بغاية مقاومة أنساق السيطرة والهيمنة التي تمارس بآليات مختلفة على المستويات الوطنية، الإقليمية والدولية.

في هذا الإطار، سنحاول الوقوف على متغيرين اثنين نعتبر أن ضرورة فهمهما ستساعد على بناء البدائل الكفيلة بإطلاق صيرورة حركة اجتماعية نقدية حقيقية وفاعلة.

إعادة تشكل السلطة

يبدو أن العديد من الفاعلين داخل حركة 20 فبراير والحركات الاجتماعية الجديدة يغفلون التحولات العميقة على مستوى السلطة التي تعرف إعادة التشكل. لقد انتقل النظام من استعمال سلطوية قائمة على العنف منهجي (له مؤسسات فعلية) إلى سلطة واسعة النطاق ومركبة يحملها العديد من فاعلي الحكم الجديد أو ما يسميه ميشيل فوكو (La gouvernementalité).

هذا التحول لا يخص المغرب وحده. إن المسألة تخص مجموعة من المجتمعات وتهم إعادة تعريف مفهوم السياسي والدولة. منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، عاد السوق الأكثر تحررا من قيود الدول ليبرز من جديد، وذلك بعد خفوته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في الشمال ونشأة الدول الوطنية الجديدة في الجنوب. يستند السوق الجديد في مشروعيته الأيديولوجية على النظريات الاقتصادية النيوليبرالية التي تقدم نفسها كنظريات علمية ما ساهم في تراجع الدول التي سمحت تحت الضغوطات المختلفة بفتح اقتصاداتها للعولمة كما تقوم بتعريفها المنظمات العالمية.

في هذا السياق، وباسم دوغمائية الانفتاح والمنافسة (الحرة)، تم تفكيك القطاعات العمومية الأساسية لصالح فئات ومصالح خاصة. في المغرب تمت خوصصة قطاعات مثل التعليم العمومي، الصحة، الفلاحة، السكن الاجتماعي، الاتصالات والمواصلات، التدبير المفوت للماء والكهرباء وحتى… جمع النفايات ! قطاعات كثيرة تحولت لسوق واسعة تدر أرباحا طائلة على فئات جد محددة داخل المغرب وكذلك شركات دولية مستفيدة من هذا الانفتاح. إنها السياسات التي تنتج هوة وتراتبية كبيرة داخل المجتمع وتحكم على فئات واسعة بالتهميش وعدم الولوج لمرافق الحياة الأساسية وللرساميل التي تخولها قطاعات كالتعليم مثلا.

نذكر من بين التحولات الأساسية كذلك انتقال الملكية من الفاعل المؤسساتي الأول إلى فاعل رئيسي داخل السوق مما يجعل السياسي رهينة للاقتصادي. وهي السوق التي تتنافس فيها شركاته المفترسة بشراسة مع شركات خاصة لفاعلين خواص مستفيدين من الانفتاح يحملون جنسية المغرب أو قادمين من دول أخرى.

يرتبط هذا التحول بتعريف ليبرالي جديد ل”السياسي”. هذا الأخير يصبح مجالا منفصلا لا يخص سوى محترفي السياسة ويصير وسيلة لإيجاد حلول لمشاكل ظرفية بدلا من أن يشكل الوسيلة الأساسية للعمل والتأثير على مستوى الواقع الاجتماعي.

وبالتالي فإن مجموعة من المطالب التي رفعتها الحركة (أو بالأحرى فاعلون وتنظيمات داخلها) لا تنتج أي نقد في الواقع طالما لا يتم ربطها بالقضايا الاجتماعية. دون هذا الربط فهي تغفل طبيعة الصراع الذي ينبغي خوضه. من جملة هذه المطالب نذكر تلك المركزة على “الاعتراف” بالحقوق والحريات، المطالبة بديمقراطية تمثيلية وفصل السلطة عن الثروة. إن غياب النقاش داخل الفضاءات العمومية البديلة التي شكلتها الحركة (الساحات العمومية وشبكات الإعلام البديل مثلا) حول قضايا التهميش والفقر الذي يؤدي إلى “الفصل” والإبعاد من المجتمع (La disqualification sociale) يصب بالأساس في صالح النسق الليبرالي دون اقتراح بدائل لصالح الفئات الاجتماعية المهمشة اقتصاديا، ثقافيا واجتماعيا.

أدى هذا الواقع إلى ابتعاد الحركات الاجتماعية عن مطلب المساواة في الواقع لتعويضه بمطلب المساواة أمام القانون. هذا الابتعاد يدفعنا للرجوع على سنوات القمع السياسي حيث ترسخت داخل المعارضة المطالبة (المشروعة حينها) بحماية الحريات وعلى رأسها الحقوق السياسية. فأمام ديكتاتورية الحسن الثاني ونظامه القمعي كانت الحركات المناضلة بعد الاستقلال غالبا ما تركز مطالبها حول قضايا التداول على السلطة، الديمقراطية التمثيلية، الملكية البرلمانية، نزاهة الانتخابات، الحق في التعبير، مناهضة التعذيب والاعتقال السري، إلخ. هذه المطالب أصبحت فاعلا داخل الحركة وتشتغل ك”هابيتوس جماعي” (Habitus collectif).

لكن واقع الحال يظهر أن قمع الدولة لم يعد كما في السابق ممنهجا ومرتبطا بأجهزة للدولة تشتغل خارج الرقابة الكاملة. فبالرغم من كون الصحافة لا تزال تعيش مضايقات، وبالرغم من بعض الاعتقالات السياسية والعنف غير المبرر وانتهاكات حقوقية ترصدها جمعيات فاعلة في المجال الحقوقي، إلا أنها انتهاكات محصورة، بعيدة عن الوضع إبان عهد الحس الثاني وسنوات الرصاص ولا تعم المجتمع المغربي بالكامل ولا النخب المعارضة عامة.

إن تحليلنا المرتكز هنا على مقاربة الأيديولوجيا النيوليبرالية مقاربة تندرج في إطار القراءة التي قدمها ميشيل فوكو للسلطة تذكرنا في السياق المغربي أن الأجهزة أو التقنيات التي تقوم عليها السلطة لا تجعل من العنف أساسا لها لتحقيق السيطرة والإخضاع، بل تلجأ لفرغ السياسي من معناه فتجعله شيئا معزولا عن الواقع الاجتماعي.

المجتمع المدني الجديد

إلى جانب المفهوم الجديد للسياسي نجد المنعطف الثقافوي (culturaliste) الكبيرعلى مستوى التنظيمات السياسية والجمعوية المغربية منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي. وهو المنعطف الذي لا يقتصر على المغرب بل نجده في كافة المجتمعات التي تعرف تصاعدا قويا لمجتمع مدني مجِزئ للقضايا النضالية وفاعل كقناة أساسية في العمل السياسي عبر رؤية “تدبيرية” تعتمد على “تحديد الأهداف” و”النجاعة” في الأداء. تقوم هذه النظرة التي تلغي السياسة في مفهومها الشامل على خطاب نقدي لبيروقراطية وضبابية العمل الحزبي.

يستفيد هذا المجتمع المدني الجديد من الدعم المادي لمؤسسات دولية ترى فيه خير سفير وأداة قوية لنشر الخطابات المهيمنة والثقافة المعولمة. كما يستفيد من دعم الدولة التي تتراجع مقابل تسليم العديد من أدوارها لجمعيات وهيئات غير حكومية أو موازية تضم مجموعات غير متجانسة من فاعلين خواص، وذلك من جمعيات الأحياء إلى جمعيات تضم شخصيات قادمة من عالم الأموال. فيلعب هذا المجتمع المدني دورا كبيرا في تطور الواقع، وإرساء نظرة مهيمنة في الواقع، في غياب كل هيأة تنظيمية أو إمكانية ضمان انفتاح كبير للفضاء العمومي. فالجمعيات الكبرى المستفيدة والمجيبة عن الأهداف التي تتيح الدعم الخارجي كما تلك التي تضم وتعبر عن رأي الفئات السائدة، ترسي هيمنة على النقاش العمومي وتوجهه عبر تحديد ما يشكل “مشكلا” اجتماعي، وما ليس مشكلا حسب نظرتها ونظرة مموليها. فتصير قضايا التهميش وقضايا الفئات الفقيرة وآفات القطاعات العمومية مغيبة عن النقاش والفضاء العموميين.

يدعي المجتمع المدني الجديد كونه “عملي” يجعل من “الفعل” أساس قيامه دون الاستناد على أية أيديولوجيا. إلا أنه في واقع الحال يمرر أيديولوجيا سائدة تلغي النقاش والتحليل الذي يأخذ بعين الاعتبار البنيات ووضعية المجتمع كما تبعدنا عن كل قراءة نقدية عميقة. ففي واقع الحال، إن الفاعلين الجدد داخل هذا المجتمع المدني ينتمون لبنية اجتماعية وتاريخية محددة. فبالرغم من الخطاب الذي يقدمونه على أساس كونه غير سياسي، فإن بناءهم لما يعتبرونه مشاكل ينبغي حلها، وإنتاجهم للحلول التي تظهر وكأنها “حلول طبيعية” ومسلم بها (taken for granted) وكذلك الوسائل التي يعتمدونها، كلها أشياء منبثقة من تحكيمات أيديولوجية يحددها وضعهم الاجتماعي والتاريخي المحدَد. ففي غالب الأحيان ما يكون هذا المجتمع المدني وفاعليه حاملين لنموذج / باراديكم نيوليرالي يلعب على المستوى المحلي دورا مسهلا لعبور الوصفات النيوليبرالية ل”إجماع واشنطن” (consensus de Washington) الذي تحول لمسلمات يتم فرضها عبر كل الطرق وخاصة من خلال المجتمع المدني كآلية للقوة الناعمة (Soft power). إنها الوصفات المركزة على ضرورة انفتاح السوق دون أية قيود وضمان المنافسة في مقابل تحطيم إمكانية إعادة التوزيع عبر السياسات العمومية.

بعدما تم إبعاد قضايا العدالة الاجتماعية، طفت على واجهة الفضاء العمومي المتحكم فيه مطالب ترفعها الجمعيات والأحزاب المعبرة عن مصالح مجموعات جديدة مستفيدة من التحولات التي سبق وصفها وعن مصالح الأفراد المشكلة لها والمنخرطة فيها.

ارتباطا بهذا التحليل، تظهر حركة 20 فبراير الحاملة لمطالب سياسية كون الآلاف من الجمعيات، التي غزت الفضاء العمومي في السنوات الأخيرة، لم تساهم أبدا في إرساء دينامية اجتماعية وفعل احتجاجي. كما أنها لم تساهم في نشر مطالب الحركة داخل المجتمع، التعبئة حولها وإطلاق نقاش وطني حول الشأن العمومي في لحظة سياسية بامتياز.

بل على العكس، لعبت مجموعة من هذه الجمعيات والتنظيمات المرتبطة بالعمل من أجل “الحكامة الجيدة”، “حقوق الإنسان” و”الحريات الفردية والثقافية واللغوية” دورا في إضعاف الحراك، استقطاب فاعليه وتمييع مطالبه الاجتماعية والشعبية وذلك منذ المظاهرة الكبرى الثانية لحركة 20 فبراير، حيث التحقت مئات من الجمعيات بالحركة في مظاهرة 20 مارس 2011، أي بعد خطاب الملك ل9 مارس.

إن الدينامية الجمعوية لا تنطلق من فراغ. فالمقاربة الكرامشية للمجتمع المدني تمكننا من فهم هذا الأخير باعتباره وسيلة وميكانيزم لنشر الهيمنة الثقافية للنخب السائدة، وعلى رأسها القصر وكبار الخواص. فمنذ تاريخ المظاهرة الكبرى الثانية بدأت وثيرة انعطاف الشعارات والمطالب السياسية الشاملة تتحقق داخل الحركة. فارتفعت حدة التركيز على المطالب التي سطرتها السلطة في مفهومها الجديد وخطاب الملك ل9 مارس نفسه. فأخذ مطلب الإصلاح الدستوري وطبيعة هذا الإصلاح قدرا كبيرا من التركيز والنقاش بدلا من المطالب الاجتماعية الشاملة. وبالتالي بدأت الحركة ترفع أهدافا لا تتلاقى مع الفئات الواسعة من الشعب المهمش اقتصاديا واجتماعيا والشرائح الاجتماعية التي تعيش على وقع إعادة الإنتاج الاجتماعي بعد هيمنة نسق قائم على التفاوتات واللامساواة. هذا الواقع يجعل كل هذه الفئات المتضررة بعيدة عن الشعارات المدافعة عن الملكية البرلمانية، حرية الصحافة والحقوق الثقافية، مما حال دون التحاق وانخراط أعداد كبيرة من المغاربة بالحركة الاجتماعية.

“ما العمل؟” ـ أية حركة اجتماعية جديدة ممكنة؟[6]

إذا كانت الحركات الاجتماعية قد عرفت مجموعة من الانكسارات والخفوت فإن القضايا التي نجحت في طرحها لازالت آنية أمام وضع اجتماعي كارثي: أزيد من 25% من المغاربة يعيشون تحت عتبة الفقر (بدخل يقل عن عشر دراهم في اليوم). أما باقي أفراد المجتمع فنصفهم معرض للهشاشة حيث أنهم ليسوا في منئى عن المشاكل الاجتماعية كالمرض، فقدان الشغل والآفات الطبيعية[7].

إذا كان الناتج المحلي الإجمالي يعرف نسبة نمو تصل ل 4,5% منذ 2002 فالأمية تمس 43% من الساكنة[8]. وإذا كانت نسبة التمدرس قد عرفت نموا حسب الإحصاءات الرسمية فقلة قليلة (13%) من التلاميذ يحصلون على شهادة الباكالوريا ومئات الآلاف تبقى رهينة لآفة الهدر المدرسي.

الوضع المأساوي للتعليم العمومي يعمل على توسيع الهوة بين الطبقات الاجتماعية. تقوم العائلات الميسورة بتسجيل أبنائها في مدارس خصوصية حيث يلقون تعليما أفضل بكثير من أبناء الفئات الاجتماعية الذين لا حظ لهم سوى في تعليم عمومي عرف تدميرا حقيقيا إثر تفاقم سياسات ممنهجة قاضية بتفكيك المدرسة التي كانت تشكل آخر الفضاءات التي تمكن بعض الفئات الشعبية من تحسين وضعهم الاجتماعي. تعمل خوصصة التعليم على خلق أداة فعلية لإعادة إنتاج نفس النخب في مختلف الميادين.

أما فيما يخص السكن، فحالة المدن في ترد كبير حيث تظهر بجانبها مجمعات سكنية ضخمة تقطن فيها الطبقات الهشة في سكن مكتض، غير لائق وتغيب بقربه كل مرافق الحياة الأساسية والتي تبقى حكرا على الفئات الميسورة. إن هذه الهوة بين الأحياء الغنية والمجعات السكنية الهشة تجعل المغرب على شفى حفرة من انفجار اجتماعي حقيقي.

تحتم علينا كل هذه القضايا إعادة التفكير في حركات اجتماعية متصلة بالواقع المغربي المتغير. إنها الحركات التي تحمل ماض نضالي كبير ويمكن أن نستشف من تجاربها الكثير. من كل المنطلقات السابقة، نقترح تصحيح المسار من أجل بناء حركة اجتماعية وسياسية شاملة، وذلك من خلال خلق النقاش حول المقترحات التالية:

خلق حركات اجتماعية شاملة تربط بين كافة أبعاد النضالات

من معيقات التغيير الشامل التفرقة المفتعلة بين النضال من أجل الديمقراطية، النضال من أجل العدالة الاجتماعية والنضال من أجل الاعتراف وإعادة الاعتبار الرمزي لفئات محددة داخل المجتمع. إنها المطالب المتفرقة التي حملتها تنظيمات وجمعيات المجتمع المدني الجديد دون أي ربط مع المسألة الاجتماعية وقضايا الفقر والتهميش واللامساواة بين الفئات داخل المجتمع. أما مطلبنا من خلال هذه الورقة، فيهم ضرورة الربط بين الصنفين من المطالب السالفة الذكر (مطالب إعادة التوزيع ومطالب الاعتراف).

الحركة الاجتماعية التي نتصورها لا تخضع لتراتبية الأهداف. فبقدر ما تهدف إلى إعادة قضايا العدالة الاجتماعية للواجهة النضالية بقدر ما تربطها بكافة القضايا الاجتماعية، السياسية والثقافية اللازمة لبناء مجتمع يميل نحو المساواة الفعلية واحترام مختلف التيارات الفكرية، العقدية، الجنسية والثقافية عموما. إنها الرؤية التي لا تكتفي بالتركيز على المساواة المدنية عبر مدخل القوانين. فالمدخل الوحيد للديمقراطية ولتكريس الحقوق المدنية هو تساوي الظروف الاجتماعية بين الأفراد.

لا يجدر بالحركات الاجتماعية أن تكون قطاعية لكن عليها أن توجه نضالاتها نحو أفق شامل يقض التركيز على إعادة توزيع الثروات خاصة أمام تطور مناخ دولي تطبعه النيوليبرالية.

باعتبار تغيُّر طبيعة الهيمنة وظهور معالم سلطة تعرف إعادة التشكل بالمغرب إضافة إلى تطور الاقتصاد الرأسمالي، يستوجب الأمر تطور الحركة الاجتماعية لتقدم إجابات على كافة قضايا المجتمع وذلك بالانفصال عن النموذج الذي لا يعتقد بوجود سيطرة وهيمنة فاعلة في إنتاج التهميش على أرض الواقع. فالتهميش والفقر لا يرتبط أبدا بغياب القدرة والإبداع عند الأفراد أو التفاوت في اقديرات وذكاء ورغبة كل فرد. إنهما يرتبطان بآليات فعلية للإنتاج الاجتماعي وإعادة إنتاج الطبقية. إن ربط مختلف مستويات النقد فيما بينها على مستوى الحركة يساعدنا على الخروج من الانزلاق الثقافوي المرتبط بمطلب الإصلاح القانوني ويجعلنا نؤسس لنقاش (ونضال) حقيقي بخصوص المسألة الاجتماعية.

إن التحولات الاجتماعية بالمغرب تعرف من جهة نموا لرأسمال متوحش ومن جهة أخرى تراجع الدولة فيما يخص الخدمات العمومية. ينتج عن هذا الوضع تراتبية وهرمية تتصاعد داخل المجتمع وتعمل على خلق التباين بين أفراده مع تفكيك الروابط بينهم من جهة وبين الأفراد والانتماء للمجتمع من جهة أخرى.

انطلاقا من هذا التحليل، ينبغي تجاوز “مكر التاريخ” الذي يتربص بفهمنا وتوجيهنا لفعلنا داخل الحركة الاجتماعية: إن تحقيق المطالب الليبرالية التي طبعت الصراع في سنوات الرصاص (فصل السلط، الاعتراف بالحقوق المدنية والسياسية، نزاهة وشفافية الانتخابات، حرية الرأي والصحافة، إلخ.) لا تعني تقديم الحلول اللازمة للمسألة الاجتماعية التي تعرف تدهورا كبيرا في مغرب اليوم. فينبغي بالتالي على النقد الذي تقدمه الحركات الممثلة لمصالح الفئات المستلبة والمحرومة أن يندد بالسياسات التي تحكم على الشعب بالفقر، التهميش، الإقصاء الاجتماعي وانتهاك حقوق الأقليات.

ضرورة اشتغال الحركات الاجتماعية على قضية التمثيلية

إن حركة 20 فبراير، باعتبارها “حركة جامعة لمختلف الحركات”، تبرز في لحظة زمنية خاصة مصالح فئات مختلفة ـ وأحيانا متناقضة ـ. إن تعايش هذه الحركات التمثيلية المختلفة داخل فضاء الحركة لم يكن يعني، ولا يعني اليوم، وحدة النضالات والصراع.

خارج اللحظة الزمنية الخاصة بالربيع العربي، عرفت بنية مجموعة من التنظيمات، ومنها التنظيمات اليسارية التي لعبت دورا رياديا في الماضي، تحولات سوسيولوجية عميقة مما سيساهم في تغيير كبير على مستوى أيديولوجيا وفعل هذه التنظيمات التي ساهم أحيانا مناضلوها في حراك 2011. فمثلا حزب الاتحاد الاشتراكي الذي كان حزبا ممثلا للفئات الاجتماعية المتوسطة، صارت تتزعم هياكله التنفيذية والتقريرية مجموعة من كبار الملاكين الفلاحيين، رجال الأعمال، مستثمرين كبار أو موظفين حزبيين. عبر هذا التحول الذي تحقق طيلة المؤتمرات الأخيرة لهذا الحزب منذ ولوجه للحكومة عن تقنية حقيقية للتحكم في الأحزاب. إن هذا التحول مؤشر مهم ويفسر مدى استحالة إنتاج، داخل هذا الحزب، لأي نقد للبنية الاجتماعية الجديدة وكذلك التطورات السياسية في المغرب.

فأول متطلبات بناء حركة اجتماعية نقدية تستوجب تحديد الفئات التي ستمثلها هذه الحركة، أي تحديد الفئات الاجتماعية التي تمد الدينامية النضالية بالمشروعية وتسلم لها إمكانية التعبير عن مصالحها وتمثيلها. ومن هذا المنطلق فإن الصراع من أجل مجتمع عادل يقتضي الدفاع عن الفئات المهمشة داخل الفضاء الاجتماعي المغربي. فالتهميش يأخذ أشكالا متعددة ويخص أساسا البعد الاقتصادي ـ المادي، الاجتماعي والسياسي. ويضفي البعد الثقافي مشروعية على هذه الهيمنة التي تمس الغالبية العظمى من المغاربة مما يستلزم تأسيس دينامية شاملة وقادرة على إبداع نقد بنيوي.

إن التمثيلية يجب أن تشمل فئات عديدة ينبغي الدفاع عن حقها في التغيير والعيش داخل مجتمع عادل: ضحايا الهيمنة والسيطرة التاريخية إثر تراجع دور الدولة الاجتماعية وبروز السوق وفئات اجتماعية مستفيدة منه، المستلبون من الرساميل الدراسية والمادية، ضحايا سياسات الخوصصة، المعطلون عن العمل وسط مجتمع صار يربط بين الراتب وبين العيش، العاملون الجدد والخاضعون لظروف عمل صعبة ومهينة، الفلاحون الصغار، مهمشوا المدن القاطنين بدور الصفيح ووسط أحياء مهمشة، الأقليات الثقافية، إلخ. أي، في جملة مختصرة، المستلبون والخاضعون لسيطرة بنية ومجموعات مستفيدة.

كما يتعين على الحركة في هذا الصدد إعادة تعريف السياسي كعنصر فاعل على مستوى التطور داخل المجتمع. فالسياسة لا تقتصر على تغيير مؤسسات الدولة والإصلاح القانوني، بل تتقتضي التغيير داخل المجتمع، مع الجتمع ومن أجل المجتمع.

تجاوز الصراع بين الإسلاميين واليساريين 

انطلاقا من حراك 20 فبراير ندعوا لإعادة بناء الفضاء السياسي المغربي على أسس جديدة تتجاوز الصراعات والتناقض بين ما يسمى “المحافظون الإسلاميون” و”الحداثيون ـ اليساريون”.

إن الصراع بين الإسلاميين واليساريين فرض نفسه خلال العقود التي تلت الاستقلال كمحور أساسي في تقسيم الساحة السياسية. لم ينبني هذا التقسيم على تمثيلية كل مجموعة سياسية لفئات اقتصادية أو طبقة داخل المجتمع بل على صراع هوياتي وأيديولوجي صرف. عندما ينبني الفرق بين هذه المجموعات السياسية على عناصر تهم القيم والأخلاق، يتم إهمال التقاربات الموجودة على مستوى الانتماءات الاجتماعية. فنجد من جهة جزءا من اليسار يقوم على رفض كل التراث الثقافي المرتبط بالإسلام حيث يقوم بربطه بالتخلف والاستبداد. ومن جهة أخرى تصر بعض الحركات الإسلامية على فرض مرجع ونمط “مقولب” في كل الفضاء الاجتماعي يقدم نفسه كبديل شمولي ونظرة كونية شمولية لنمط الحياة.

وقد تطور هذا الصراع إبان نظام الحسن الثاني الذي عمل على ربط اليسار في المخيال الجماعي بالعداء للدين وقيم المجتمع. وتعمق هذا الصراع أكثر بعد نهاية الحرب الباردة وانتشار مفهوم صراع الحضارات. من تجليات هذا المفهوم تأسيس “نحن” مقابل “هم”، أي “النحن” و”الآخر” كبناء قيمي وثقافي فقط وذلك لإخفاء الصراع بين المهيمنين والمهيمن عليهم في العالم والمجتمعات. كما يدفع هذا التصور لقيام حركات سياسية هوياتية لمواجهة “الغربنة” أو الهوية الخصوصية التي تقدم نفسها ككونية. ويؤدي انتشار هذا التصور إلى خلق تفرقة واسعة بين جزئين، يقوم أحدهم بإدانة الآخر عندما يرفض هذا الآخر القيم المعيارية التي تقدَم كقيم كونية.

إن إعادة توجيه النضالات يستدعي فهم هذا البناء التاريخي وتجاوز التجزيئ المبني على هذه التصورات. فالصراع اليساري الإسلامي ليس قديما في تاريخ المغرب والأمثلة كثيرة. لقد تعايش في الحركة الوطنية تيار سلفي ممثل في علال الفاسي وتيار حداثي ممثل في حسن الوزاني. علاوة على ذلك وجد في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية توجه إسلامي مهم كما يجدر التذكير بأن عدد من قادة ومؤسسي الحركات الإسلامية مروا من تجربة يسارية في السبعينات[9]. وبالتالي فإن تجديد تصورنا وفعلنا النضالي يستوجب الخروج من هذه التصورات و يستدعي توفير الظروف المواتية لخلق مناخ حوار رزين بين الأطراف السياسية المعنية بهذا التقسيم.

يجدر التذكير بأن الحركات الإسلامية ومجموعة من المنظمات المحسوبة على “اليسار” ليست متجانسة فيما يخص مواقفها ومشاريعها المجتمعية. فحزب العدالة والتنمية الذي يتزعم الحكومة منذ 2012، يدافع عن الليبرالية الإقتصادية بينما تتبنى أحزاب كالأمة والبديل الحضاري مواقف رامية لتحقيق المساواة الاجتماعية في إشارة مستمرة للصراع الطبقي داخل المجتمع. ويبقى موقف جماعة العدل والإحسان حيال القضايا الاقتصادية والاجتماعية غير معلن بطريقة واضحة رغم الاقتراب الملموس، عند قراءة أدبيات هذه الحركة، من خط اجتماعي لا يرفض المِلكية الفردية ولكنه يدافع عن نوع من إعادة توزيع الثروات داخل المجتمع.

بناء على هذه الملاحظات يمكننا أن نقر أنه من اللازم تأسيس قاعدة مشتركة بين اليساريين والإسلاميين المنخرطين في الحركة الاجتماعية الطامحة للتغيير، وذلك من أجل تمثيل كل الفئات الاجتماعية السابقة الذكر والدفاع عنها من أجل مجتمع عادل وديمقراطي.

توطيد عمل الحركة النسائية من أجل المساواة الكاملة داخل المجتمع وتجاوز الأبوية 

لا يمكن لحركة شاملة أن تلغي مسألة المرأة كقضية جوهرية في التغيير الاجتماعي. فالنضال من أجل مجتمع آخر يشمل بالضرورة القضاء على الهيمنة الذكورية التي لا توجد على مستوى فئة اجتماعية معينة، بل هي إشكالية تعم الفئات كلها داخل الأنظمة الاجتماعية الباترياركية (ولعل العالم الحديث، وعلى رأسه أمريكا وأوربا يبقى رمزا للباترياركا التي لا تختلف في تلك التي نجدها في مجتمعنا المغربي). فبقدر ما يجب على الحركات النسائية أن تكون في قلب الحراك الاجتماعي من أجل التغيير الشامل، بقدر ما ينبغي على الحركة الاجتماعية الشاملة أن تتبنى قضية المساواة بين الجنسين بصيغة كاملة لا تتجزأ.

ومن اللازم على الحركة النسائية العمل على ربط قضية المساواة ليس بالمستوى القانوني بل بالمستوى الاجتماعي. كما أن المساواة بين الجنسين لا معنى لها في غياب المساواة الكاملة بين فئات المجتمع. فالباترياركا لا توجد في طبيعة الأشياء بل تنشأ عبر الهيمنة الاجتماعية بصفة عامة. المجتمع الإغريقي القديم كما الثورات الأوربية الحديثة نماذج بشرية تعلمنا هذا الدرس: الديمقراطية والمساواة أمام القانون لا يكفيان لحل قضية الباترياركا، تحقيق المساواة الاجتماعية والحد من إقصاء الأقليات الثقافية. فالنضال من أجل المساواة لا بد من ربطه بالنضال من أجل العدالة الاجتماعية. وبالتالي فمن اللازم من تصحيح مسار الحركة النسائية التي تحول جزء منها لمنظمات تشتغل عبر الطلب على “أهداف” تفصل وتجزء النضالات ومنها كذلك من يكتفي بالنضال لإصلاح الترسانة القانونية والمطالبة ب”المناصفة”. فمن السذاجة أن نعتبر أن تغيير القوانين جدير بإلغاء الهيمنة الذكورية المتمثلة في عادات المجتمع. ومن السذاجة كذلك أن نعتبر أن أهداف المجتمع المدني المسطرة في ملفات الجهات المانحة والقائمة على إقصاء أهداف المساواة داخل المجتمع ستساهم في فرض المساواة الكاملة بين الجنسين.

إن هذه النضالات مطبوعة ب”الثقافوية” (Culturalisme) التي وصفها لوك بلتنسكي وإف شابيلو في كتابهم “روح الرأسمالية الجديدة”[10] بكونها تقوم بشرعنة النظام النيو ليبيرالي. نذكر من هنا أن نسائيات “الموجة الثانية” قمن بتوجيه نقد حاد لنظام رأسمالية الدولة باعتباره أبويا وذكوريا بامتياز[11]. لكن هذا النقد نفسه تم استيعابه من طرف النيوليبرالية ـ التي جاءت كمرحلة جديدة للرأسمالية منذ الثمانينات. فصارت الحركات النسائية مركزة على قضايا “الاعتراف وإعادة الاعتبار” وذلك في تصالح تام مع النيوليبرالية.

على عكس هذه الحركات النسائية التي غيرت مسار نضالها العام ضد السيطرة والباترياركا، نعتبر المسألة النسائية جزء لا يتجزء من النضال الاجتماعي الشامل، ولا ينبغي أن تبقى مسألة تمس عنصرا محددا فقط. بل على الحركات الاجتماعية عموما أن تعي بكون النظام الأبوي هو جزء من الهيمنة بصفة عامة. وبالتالي فنعتبر أن النساء والرجال معا، وذلك بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال، يخضعن للسيطرة وهيمنة البنية الذكورية والباترياركية داخل المجتمع.

في هذا الصدد نعتقد، رفقة عالم الاجتماع الفرنسي پيير بورديو أنه “وحدها حركة سياسية واعية بكافة أشكال السيطرة التي تمارس من خلال اللقاء الموضوعي بين بنيات مجسدة (عند الرجال والنساء معا) وبنيات المؤسسات الكبرى التي تعيد إنتاج النظام الذكوري والنظام الاجتماعي عموما (…) وحده هذا الوعي يمكنه أن يساهم في الاختفاء التدريجي للهيمنة الرجولية”[12].

ربط النضالات المحلية بالوطنية والعالمية

لا يمكن إرجاع الانتفاضات الشعبية التي عرفها العالم سنة 2011 للحظ والقدر. فانتشار النيوليبرالية وكلما تجره وراءها من آفات يعتبر أمرا ملموسا ويحتم القيام بدمج وربط مجموعة من أبعاد الصراع فيما بينها.

لقد سبق وأشرنا للظرفية الخاصة التي يمر منها المغرب، المنطقة العربية والعالم عموما أثناء كتابتنا لهذا البيان. إنها الظرفية التي تعرف انهيار “الدول الوطنية” وتراجع دور التوزيع الاقتصادي العادل للرساميل داخل المجتمعات. إنها الظرفية التي تعرف تطور للرأسمالية التي استطاعت استيعاب النقد الاشتراكي وتحويل العديد من الأيديولوجيات النقدية إلى خطابات متصالحة مع هيمنة السوق، مدافعة عن قيمه ومركزة في حركيتها على نضالات ومطالب لا تمس عمق الإشكالات التي تطرحها النيوليبرالية المهيمنة على الشعوب والعاملة على تسليع كل أجزاء الحياة وتدمير شامل للإنسان والعالم. وهي الظرفية كذلك التي تعرف طفرة لحركات شعبية عابرة للحدود وآخذة بعين الاعتبار لخصوصية وتاريخانية كل مجتمع لمقاومة الاستبداد السياسي والاقتصادي الذي يعمل على تفقير وإهانة فئات واسعة داخل المجتمعات وخلق هوة كبيرة بينها وبين فئات مستفيدة من التوزيع غير العادل لمختلف الرساميل الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية والرمزية.

إن الرأسمالية الجديدة في المغرب تجد في “الدولة” حليفا طبيعيا مساعدا على تنفيذ سياسات الخوصصة، التقليص من السياسات الاجتماعية، تنفيذ أوامر المؤسسات الدولية والدول المهيمنة عبر العالم.

في هذا الإطار، إن نشر أيديولوجية السوق المهيمنة من طرف مراكز القرار الكبرى ـ الدول “العظمى”، المؤسسات الدولية، الشركات العابرة للقارات، إلخ. ـ تتم عبر كل الوسائل والأسلحة الممكنة. ويبقى الهدف هو “فتح” كل المجتمعات على النموذج الاقتصادي المهيمن والذي يقدم نفسه كالسبيل الوحيد الممكن. ويبقى العالم العربي مثلا نموذجا مثاليا يبرز كيف يتم تفعيل الحرب الشاملة والمدمرة والتي تستخدم فيها كل الوسائل ـ وعلى رأسها لعبة الهويات القاتلة ـ من أجل نسف كل مقاومة ممكنة للحكومات الاستبدادية والنيوليبرالية المتوحشة التي تلج بقوة مجتمعات المنطقة.

ومن جهة أخرى، فإن العلاقات الضرورية بين الدول، مآسي الفقر والهشاشة التي تتهدد الناس في العالم، تدفق الهجرات وتنقل الساكنة، معالجة أزمات البيئة والمناخ الذي لا يعترف بالحدود المصطنعة، كلها قضايا تستوجب وضع الحركات الاجتماعية في إطار صراع “ما بعد ـ وطني”. أي صراعات تتجاوز إطار الدول القومية، التي لا بد من التذكير أنها حديثة النشأة.

في العالم بأسره، انطلقت حركات عديدة منددة بفرض اقتصادات ذات النموذج النيوليبرالي الوحيد والمرتكز على إدارة وبيروقراطية مدعمة لهذه النيوليبرالية.

يبقى التضامن العالمي بين الحركات الاجتماعية أساسيا لمقاومة الهيمنة الفاعلة عبر العالم. إنها الهيمنة القائمة على “تسليع” كافة مناحي حياة الإنسان، الرفع من الفردانية داخل المجتمع وتفكيك الروابط الاجتماعية، الربط بين الراتب وإمكانية العيش، تهميش الأفراد المحكوم عليهم بالفقر والبطالة، إلخ.

في الأخير، تبقى المخارج والحلول التي قمنا بتحديد أهم معالمها في الجزء الأخير من هذا البيان أساسية للصراع الجديد. فصراع الحركة الاجتماعية التي ندعوا إليها يجعل في قبل اهتمامه قضية العدالة الاجتماعية ومناهضة تهميش غالبية فئات المجتمع المغربي باسم مصالح فئات قليلة مستفيدة من السياسات الحالية ومن التغيرات الطارئة والتي عرضنا لأهم العناصر التي تقوم عليها.

يتطلب منا الوضع الراهن بناء نقد راديكالي آخذ بعين الاعتبار الظرفية التاريخية.

يتطلب منا عدم السقوط في اعتبار السياسة كلعبة لا تخص إلا محترفيها.

يتطلب مواجهة المجتمع المدني القائم على “البرامج” الهادفة إلى تكريس الهيمنة.

يتطلب منا عدم السقوط في التناقضات الخاطئة وتجنب الصراعات التي تبعدنا من معركة التغيير الاجتماعي. كما يتطلب منا عدم الاستسلام لمكر التاريخ من أجل بناء “مغرب آخر“.

[1] مصطح الهابيتوس المتأخر يعني عند نوربير إلياس الإرث والمخيال الوطني الجماعي الذي، رغم تفكك الدولة الوطنية، يبقى فاعلا على مستوى الأفراد والجماعات التي تبحث دائما عن الانتماء لجماعة وثقافة محددة. فالانتقال من القبيلة إلى الدولة الوطنية لا يعني القطع التام مع الانتماء القبلي كما أن الانتقال من الدولة إلى العالم المعولم لا يعني القطع مع الانتماءات الوطنية.

أنظر :

Norbert Elias, La société des individus, Paris, trad. française 1991, Editions Fayard,

[2] تعني “الظرفية المسهلة” عند ميشيل دوبري تلك اللحظات التاريخية التي تفتح “مجال الممكن” وتسمح لفئات عديدة منها تلك التي لا تكون مشاركة بالضرورة في السياسة من الالتحاق بشارع الاحتجاج والثورة.

أنظر :

Michel Dobry, Sociologie des crises politiques, Paris, Presses de SciencesPo, 1986.

[3] نعني بسياسة “الاعتراف ورد الاعتبار” المفهوم الجديد للإصلاح الذي ينبني على منظومة حقوق الإنسان والمطالبة بإرساء الحقوق الثقافية والمركزة على الهوية والذاتية. إنها الحركة التي تقدم نفسها كمنظومة كونية في حين أنها “خاصة” وتعرف انتقادا لاذعا من لدن شعوب الدول التي فرضتها كأيديولوجيا كونية سائدة. إنها المنظومة التي تضع الحقوق السياسية والمدنية والثقافية على رأس الحقوق الإنسانية متجاهلة ومهمشة لمطالب العدالة والمساواة داخل المجتمع وكذلك آفات الرأسمال و”العمل” داخل الأنساق النيوليبرالية الجديدة. نربط هذا المفهوم كذلك بنظريات تحدث قطائع مع الحركات الاجتماعية المناهضة للفئوية باسم ضرورة ترتيب الأولويات النضالية وإعطاء الأولوية لسياسة “الاعتراف” بالاختلاف والدفاع عن حقوق الأفراد قبل الجماعات. فنجد مثلا الفيلسوف الألماني “أكسيل هونيت” مؤسسا لمفاهيم مثل “الاعتراف ورد الاعتبار” للأفراد وذلك بناء على إعادة قراءة فلسفة “هيكل” والفلسفة التي تربط المعانات بالروح ونفسية الأفراد وليس بأجدسادهم وارتباطها بوضعها “الطبقي” أو “الفئوي” داخل المجتمعات حيث يسود التصنيف الاقتصادي والثقافي والإثني والعنصري.

[4] خاصة الكنفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد المغربي للشغل اللتان دعمتا الحراك في بداياته وقامتا بفتح مقراتها لتنظيم المظاهرات واللقاءات التشاورية والجموع العامة.

[5] نعني بطبقة فعلية التمييز الذي يذكر به بيير بورديو والذي نجده عند كارل ماركس كذلك بين الفئة الاجتماعية والطبقة. فالفئة الاجتماعية المحددة (فقراء، عمال، مهمشون، نساء، إلخ) لا تصير “طبقة” إلا بوجود “وعي طبقي” أي تنظيمات تمثيلية تدافع عن مصالح هذه الفئات وتوضح معالم الصراع و”العدو”.

[6] ساهمت في ترجمة هذا الجزء الثالث من الفرنسية إلى العربية سلمى هركل طالبة باحثة وعضوة بجمعية مغرب آخر.

[7] تقرير البنك الدولي 2014: “Se soustraire à la pauvreté au Maroc”

[8] حسب إحصاء 2004، وهو آخر إحصاء تم نشر نتائجه إلى غاية كتابة هذا البيان.

[9] يمكن أن نذكر مصطفى المعتصم القيادي في صفوف البديل الحضاري الذي كان عضوا في “إلى الأمام”، عبد الإله بنكيران زعيم حزب العدالة والتنمية والذي كان عضوا بالشبيبة الاتحادية وعبد الكريم مطيع مؤسس الشبيبة الإسلامية والذي كان عضوا بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

[10] أنظر:

Luc Boltanski, Eve Chiapello, « Le nouvel esprit du capitalisme », Paris, Gallimard, 1999.

[11] أنظر:

Nancy Fraser, “Feminism, Capitalism and the Cunning of History”, New Left Review, n° 56, Mars-Avril 2009

[12] أنظر:

Pierre Bourdieu, La domination masculine, Editions du Seuil, 1998, p158.

+ There are no comments

Add yours